صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
354
شرح أصول الكافي
الظلمانية . ثم وقع السؤال انهم هل كلفوا المعرفة ؟ اى هل كانوا بحيث لو تعلموا اثر فيهم السعي والتعليم وانجع لهم الارشاد والتأديب في باب العلم والمعرفة ؟ فأجاب عليه السلام أيضا بقوله : لا ، لما علم من أحوال الأكثرين ان ليس لهم درجة الارتقاء إلى رتبة العلم واليقين . وقوله : على الله البيان ، اى وجب بحسب عنايته وعلمه بما هو اصلح لعباده ان يبين لهم القدر الّذي يحتاجون إليه في سلوك سبيله اما بوحي أو إلهام لمن هو من أهلها واما بارسال رسل أو انزال كتب على الذين يحتاجون إليهما ويهتدون بهما على القدر الّذي يحتاجون ويهتدون ، ولذلك تتفاوت درجات الرسل عليهم السلام في الفضل والشرف ودرجات الكتب في الهدى والنور كما قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ . « 1 » وقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 2 » ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها « 3 » ، اى تكليف الله عباده لا يكون الا بما يسعهم ولا يكون الا بحسب ما أعطاهم من القوة والاستعداد والقدرة والاستطاعة . والسبب اللمى في ذلك : ان الحق تعالى غنى مطلق لا غرض يعود إليه من الطاعات ولا ضرر ينتهى إليه من المعاصي ، ولكن العناية اقتضت ايصال كل أحد إلى غاية ما خلق لأجلها وهي خيره وكماله وبه سعادته وسلامته عن آفته وتبعيد كل أحد عن اضداد تلك الغاية وهي شره ووباله وبه شقاوته وعذابه في عاقبة ، كل ذلك بحسب ما يمكن في حقه . ومعلوم ان الغرائز والجبلات مختلفة في نوع الانسان والنفوس متفاوتة في الدواعي والاستعدادات ، فبحسب ما ارتكز في غرائزهم من الدواعي والقوى والآلات يكون حال سعادتهم وشقاوتهم وخيراتهم وشرورهم ، وفائدة التكليف ليس الا ايصال المكلف إلى خيره وسعادته وابعاده والمنع عن شره وشقاوته ، وقد
--> ( 1 ) . البقرة / 253 ( 2 ) . البقرة / 286 ( 3 ) . الطلاق / 7